أبي طالب المكي

397

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

لا تصحب أحدهما ، فإن أحمد صاحب حديث . وفي الحديث : اشتغال بالناس فإن صحبته ذهب ما تجد في قلبك من حلاوة الذكر وحب الخلوة ، وأما بشر فلا يتفرغ لك ولا يقبل عليك شغلا بحاله ، ولكن اصحب أسود بن سالم ، فإنه يصلح لك ويقبل عليك ، ففعل الرجل ذلك فانتفع به وإنما ضمه معروف رضي الله عنه إلى الأسود دونهما ، لأنه كان أليق بحاله وأشبه بوصفه . وكذلك روينا في حديث المؤاخاة الذي آخى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ، فآخى بين اثنين شكلين في العلم والحال آخى بين أبي بكر وعمر ، وبين عثمان وعبد الرحمن ، وهما نظيران . وآخى بين سلمان وأبي الدرداء وهما شكلان في العلم والزهد ، وآخى بين عمار وسعد وكانا نظيرين ، وآخى بين عليّ وبينه رضي الله عنهم أجمعين ، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين ، وهذا من أعلى فضائله لأن علمه من علمه ، وحاله من وصفه ، ثم آخى بين الغني والفقير ليعتدلا في الحال ، وليعود الغني على أخيه الفقير بالمال . قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري : إذا آخيت أحدا في هذا الزمان فلا تعاتبه على أمر تكرهه منه ، فإنك لا تأمن أن يعنيك بشر من الأمر الأول . قال أحمد : فجربته فوجدته كما قال ، وقال بعض العلماء : الصبر على مضض الأخ خير من معاتبته ، ومعاتبته خير من القطيعة ، والقطيعة أحسن من الوقيعة . وقال بعضهم : كدر الجماعة خير من صفو الفرقة ، ومثل الأخوة مثل الزجاجة الرقيقة ما لم تحفظها وتوقها كانت معرضة للآفات ، واستتمام الإخاء إلى خير الوفاة أشد من ابتدائها في حال الحياة . وقال بعض الأدباء : الناس أربعة : فواحد حلو كله فهذا لا يشبع منه ، وآخر كله مر وهذا لا يؤكل منه ، واحد فيه حموضة فخذ من هذا قبل أن يأخذ منك ، وآخر فيه ملوحة فخذ منه إذا احتجت إليه . وقال بعض الأئمة : الناس أربعة فاصحب ثلاثة ولا تصحب واحدا ، رجل يدري ويدري أنه يدري ، فهذا عالم فاتبعه ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فهذا نائم فنبهوه ، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهل فعلموه ، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا منافق فاجتنبوه ، ومثل هذا الرابع قول سهل : ما عصي الله عزّ وجلّ بمعصية شر من الجهل ، وأعظم من الجهل الجهل بالجهل . وقال بعض الأدباء : الناس ثلاثة : فاصحب رجلين وأهرب من الثالث : رجل أعلم منك فأصحبه تتعلم منه ، ورجل أنت أعلم منه يقبل منك فأصحبه تعلمه ، ورجل معجب بنفسه لا علم عنده ولا تعلم فاهرب من هذا . وقال محمد بن الحنفية رضي الله عنه : ليس بلبيب من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدّا ، حتى يجعل الله له منه فرجا ، فمعاملته عني يتقي ومخالطته إخوان الاضطرار ومعاشرة التقي ومصافاته من أحس الإحسان . وكان أبو مهران